ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي.
عن ابن عَبَّاسٍ قال: على مقادير الليل والنهار.
ويشبه أن يكون قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ليس على تخصيص وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ) ، (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) .
ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبهًا البكرة من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) .
ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي (الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا(63)
يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن وفوا بها فلهم الجنة جميعًا، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفَّى بشرائطه التي شرط يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفَّى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث الذي ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله:
(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ...) الآية، والوارث هو الباقي من المورث والخلف عن الميت.
وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخَلْف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والْخَلَف بالتحريك والنصب في موضع الحمد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هما سواء، ويستعملان جميعًا في موضع واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا(64)
هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك.