والوجه الثاني: أن الباءَ سببيةٌ ، أي: بسببِ تصديقِ الغيب ، وبسببِ الإِيمان به .
قوله:"إنه كان"يجوز في هذا الضميرِ وجهان ، أحدُهما: أنه ضميرُ الباري تعالى يعودُ على الرحمن ، أي: إنَّ الرحمن كان موعدُه مَأْتِيَّا .
والثاني: أنه ضميرُ الأمرِ والشأن ؛ لأنه مَقامُ تعظيمٍ وتفخيمٍ ، وعلى الأول يجوز أَنْ يكونَ في"كان"ضميرٌ هو اسمُها يعودُ على اللهِ تعالى ، و"وعدُه"بدلٌ من ذلك الضميرِ بدلُ اشتمال ، و"مَأْتِيَّاً"خبرُها . ويجوز أَنْ لا يكون فيها ضميرُ ، بل هي رافعةٌ ل"وَعِدُه"و"مَأْتِيَّاً"، الخبرُ أيضاً ، وهو نظير:"إنَّ زيداً كان أبوه منطلقاً".
ومَأْتِيَّاً فيه وجهان ، أحدُهما: أنه مفعولٌ على بابِهِ ، والمرادُ بالوعدِ الجنةُ ، أُطْلِقَ عليها المصدرُ أي موعوده نحو: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأميرِ . وقيل: الوَعْدُ مصدرٌ على بابه ومَأْتِيَّاً مفعولٌ بمعنى فاعِل ولم يَرْتِضِه الزمخشريُّ فإنه قال: " قيل في"مَأْتِيَّاً"مفعولٌ بمعنى فاعِل . والوجهُ: أنَّ الوعدَ هو الجنة ، وهم يَأْتونَها ، أو هو مِنْ قولِك: أتى إليه إحساناً ، أي: كان وعدُه مفعولاً مُنْجِزاً " .
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) }
قوله: {إِلاَّ سَلاَماً} :
أبدى الزمخشريُّ فيه ثلاثةَ أوجهٍ أحدُها: أَنْ يكونَ معناه: إنْ كان تَسْلِيمُ بعضِهم على بعض - أو تسليمُ الملائكة عليهم - لغواً ، فلا يسمعون لغواً إلى ذلك فهو مِنْ وادي قولِه:
3234 - ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فُلولٌ من قراعِ الكتائبِ