إن اللّه ، جلّ ذكره ، لما استخلف آدم على ذرّيته ، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش - عهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه ، وحرّم عليه وأحلّ له ، فقبله ، ولم يزل عاملا به إلى أن حضرته الوفاة ، فما حضرته ، صلّى اللّه عليه وسلم ، سأل اللّه أن يعلمه من يستخلف بعده ، ويقلّده من الأمانة ما قلّده. فأمره أن يعرض ذلك على السماوات بالشّرط الذي أخذ عليه من الثّواب إن أطاع ، ومن العقاب إن عصى. فأبين أن يقبلنه شفقا من عقاب اللّه.
ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال ، فكلّها أباه.
ثم أمره أن يعرضه على ولده ، فعرضه عليه فقبله بالشّرط ، ولم يتهيّب منه ما تهيبته السماء والأرض والجبال.
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه جَهُولًا بعاقبة ما تقلّد لربّه.
ثم قال لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ أي عرضنا ذلك عليه ليتقلّده ، فإذا تقلّده ظهر نفاق المنافق وشرك المشرك ، فعذّبه اللّه به ، وظهر إيمان المؤمن فتاب اللّه عليه. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً.
هذا قول على مذهب بعض المفسرين.
وفيه قول آخر:
قالوا: الأمانة: الفرائض ، عرضت على السماوات والأرض والجبال بما فيها من الثواب والعقاب ، فأبين أن يحملنها ، وعرضت على الإنسان بما فيها من الثواب والعقاب ، فحملها.
والمعنيان في التفسيرين متقاربان.
في سورة الفرقان
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77) [الفرقان: 77] .
في هذه الآية مضمر وله أشكلت: أي ما يعبأ بعذابكم ربّي لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد. ويوضّح ذلك قوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً أي يكون العذاب لمن كذّب ودعا من دونه إلها - لازما.