{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}
وهكذا يُخرِج الحق سبحانه من صدورهم أيَّ حقد وعداوة . ويرون أخلاء الدنيا في المعاصي وهم مُمْتلئون بالغِلّ ، بينما هم قد طهَّرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة ، ويحيا كل منهم مع أزواج مُطهَّرة . ويجمعهم الحق بلا تنافس ، ولا يشعر أيٌّ منهم بحسد لغيره .
والغِلُّ كما نعلم هو الحقد الذي يسكُن النفوس ، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وُجهات نظرهم في الحياة ، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
والمثل أن علياً كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل ، وكان في المعسكر المقابل طلحةُ والزبير رضي الله عنهما ؛ وكلاهما مُبشَّر بالجنة ، وكان لكل جانب دليل يُغلّبه .
"ولحظةَ أنْ قامت المعركة جاء وَجْه علي كرَّم الله وجهه في وَجْه الزبير ؛ فيقول علي رضي الله عنه: تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما تمرَّان عليَّ ، سلَّم النبي وقلْتَ أنت: لا يفارق ابنَ أبي طالب زَهْوُه ، فنظر إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لك:"إنك تقاتل علياً وأنتَ ظالم له". فرمى الزبير بالسلاح ، وانتهى من الحرب ."
ودخل طلحة بن عبيد الله على عليٍّ كرم الله وجهه ؛ فقال عليٌّ رضوان الله عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيباً"فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أنْ يجمعَ بينك وبين طلحة في الجنة . فقال عليٌّ: وفيما نزل إذنْ قوله الحق:"
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الحجر: 47] .
وكلمة"نزعنا"تدل على أن تغلغل العمليات الحِقْدية في النفوس يكون عميقاً ، وأن خَلْعها في اليوم الآخر يكون خَلْعاً من الجذور ، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله ؛ والذي عاداه في الدنيا نظرتُه إلى مُحسِن له ؛ لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عَيْب منه .