وإنَّه لَمِن سوء الظنِّ بالله سبحانه أن يُقال: إنَّه يَطْلب من جَميع أفراد بني آدم أن يَدْرسوا علم الفَلَك؛ ليعرفوا منازل الشَّمس والقمر وغيرها من الكواكب السيَّارة، وإلاَّ فلا يُمْكن أن يكونوا من المتفكِّرين في آيات السَّموات، وإنه لَمِن أسوأ الظنِّ كذلك بكتاب الله أن يُقال: إنَّ هذه الآيات ومعرفة ما فيها من السُّنَن وتدبير الربوبية وتسخيرها بقوة الرَّحيم الحكيم قاصر عِلْمه وفقهه على تلك الطَّائفة القليلة النادرة التي درَسَت فنَّ الفلك ونظرياته ورموزه وفَقِهتْها، إنَّ ذلك أبعد شيء عن هداية القرآن ومقاصده الحكيمة الرحيمة بالناس كافَّة، وأبعد شيء عن دعوته التي جاء بها عبد الله ورسوله محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رَحْمة للعالَمين.
وإنَّ ذلك بلا شكٍّ يَزِيد من تأمُّل المؤمن، ويقوِّي إيمانه، فالذي لا شكَّ فيه عندي، وعند كلِّ مؤمن بالله وسنَّته وآياته ورسوله وكتابه - أنَّ الدعوة إلى التأمُّل والتفكُّر في الآيات الكونية، وإلى الفَهْم والفقه في الآيات القرآنية دَعْوة عامَّة لِجَميع بني آدم مِن يوم بعَث اللهُ مُحمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى يوم الوقت المعلوم، وأنَّ الله جعل في مُكْنة كلِّ واحد من بَنِي آدم وفي استطاعته أن يتدبَّر، ويَفْقه الآيات القرآنية ويعرف مُراد الرَّبِّ سبحانه منها في العقيدة والعبادة، والأدب والشرائع، والقَصصِ والأحكام، إذا هو ربَّى عقله ونَمَّاه، وشكر نعمة الله عليه في هذا العقل والفهم بتدبُّر الآيات والسُّنن الكونية، والتفكُّر في النِّعَم والآلاء فيقدِّرها قَدْرها، ويَحسن الاستفادة والانتفاع بِها فيما جعَلَها وخلقها له الحكيم العليم.
ثم قال ربُّنا سبحانه:"وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ" [الحجر: 17] .
"الشيطان"هو المتمرِّد الخارج عن سنن الله، الباغي عليها لإفسادها وتغييرها بِصَرفها عن الحقِّ والحكمة التي خُلِقت لأجلها، ويكون ذلك الشيطان من الجنِّ والإنس وغيرهما.