والصَّواب في ذلك - والله أعلم - أنَّ البُروج هي الآيات البارزة الظاهرة، من النجوم والكواكب وغيرها، كأنها لشِدَّة ظهورها وبروزها القصور والحصون الشاهقة العلوِّ، في الأرض قُصور ومنازل من مادة مرئيَّة بالعين المُجرَّدة ولا المكبَّرة تَنْزل فيها الكواكب والنُّجوم في دورتِها، كما يَنْزل كلُّ إنسان أو حيوان كنَّه أو عُشَّه، أو جُحْرَه، أو مَنْزِله في الحضَر، أو السَّفر عند سَيْره في الأرض، وإنَّما هي منازِلُ تقديرية وفرضيَّة، يُقَدِّرون بها سيْرَ الكواكب، ويجعلونها أصلاً لِحساب دورانها، وأساسًا لحركاتِها في فُصول السَّنَة، ولِخُسوف الشمس والقمر، وغير ذلك من التغيُّرات.
وذلك من دقيق فنِّ الفَلك، لا يعلمه إلاَّ القلَّة النَّادرة من المتخصِّصين فيه، العارفين بقواعده ونظريَّاته وطُرقه ورموزه الفنِّية التي وضعها الفلكيُّون لذلك، والله سبحانه إنَّما يكلِّم النَّاس جميعًا بكتابه، ويَدْعو عامَّتهم وخاصَّتهم إلى التفكُّر في ملكوت السموات والأرض، وما بثَّ فيهما من آيات.
يقول ربُّنا سبحانه - مؤكِّدًا القول بالقسَم؛ ليقطع المعاذير: إنَّه برحمته وحكمته جعَلَ آياته في السماء واضحاتٍ بارزات وضوحَ وبروز البُروج والقصور المشيَّدة الرفيعة في الأرض الفضاء.
وذلك بعد قوله السابق:"وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فيه يَعْرُجُونَ ..." [الحجر: 14] فهو سبحانه يقول: ومع ذلك فإنَّه لا حاجة تدعو إلى فَتْح هذا الباب من السماء، ولا داعي إلى هذا العروج، فإنَّ بروز الآيات وظهورها ووضوحَها في السماء يَجْعلها ماثِلَة أمامهم، حاضرة لدَيْهم، وهُم على هذه الأرض، وفي أماكنهم ومنازلِهم منها.
ثم يقول سبحانه: إنَّه لم يكتف بِجَعْلها بارزة واضحة كالبروج فقط، بل إنَّه قد زيَّنَها للنَّاظرين، ومعنى التَّزيين للشَّيء: تَحْسينه بأشياء زائدة على حقيقته، في شكْلِه ووضعه وصفاته، بحيث يلْفِت نظر الغافل، ويَدْعو السَّاهي إلى التأمُّل في زينته ومَحاسنه، ويَحْمله بمحاسنه الجليَّة على التطلُّع إليه؛ للاستمتاع بما فيه من حُسْن وجَمال وزينة.