بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" [الأنعام: 159] ."
يقول الله - تبارك وتعالى - محقِّقًا قوله، ومؤكِّدًا له بالقسَم - أنَّه سُبحانه ما تَرَك النَّاس في زمَنٍ من الأزمنة، ولا في مكان من الأرض، إلاَّ وبعَث فيهم رسولاً أَنزل عليه من الْهُدى والبيِّنات، وأَوحى إليه من العلم والشَّرائع، ما يُخْرِج الناسَ من ظلمات جاهليَّتِهم الفاسدة الْمُفْسِدة، إلى نور العلم الذي به يعرفون ربِّهم، وما له من آيات الرُّبوبية، ونِعَم الرَّحْمانيَّة، وآلاء الرحيميَّة، وما به يُبْصِرون الحقائق الكونية، والحقائق الدِّينية، فيلتزمونَها ويُعطونَها ما ينبغي لَها من التقدير والشُّكر، بوضْعِ كلِّ حقيقة منها في موضعها، والانتفاع بها حيث جعَلَها العليم الحكيم، ويُخْرج الناس من ظلمات التقليد للشُّيوخ والسادة، والآباء والأجداد، إلى نور الْهُدى والبصيرة، بتقدير نعمة الله فيما تفضَّل عليهم من الإنسانيَّة العاقلة التي نفَخَها ربُّ العالمين، الرَّحْمن الرَّحيم في كلِّ فرد من بَنِي آدم، وجعلها مناط الكرامة، ومَهْبط الرَّحْمة، وعلى تقديرها وشُكْرِها، أو غَمْطها وكُفْرها يكون السُّمو في منازل الأبرار، أو الهبوط والنُّزول إلى دركات الفُجَّار، ويخرج الناس من ظلمات الأهواء والشَّهوات التي نشَرَ إبليسُ وجنْدُه فيهم ظلماتِها، وأوقد في نُفوسهم نارَها، وأحاط بهم سُرادِقها في الدنيا والآخرة وفي الآفاق، التي تنادي بأنَّ مِن الْمُحال - كلَّ الْمُحال - أن يَرْضى القويُّ العزيز عن انتهاك حرماته، والإفساد في مَمْلكته، وأن يعفو عن هؤلاء ويرحمهم في الدُّنيا والآخرة، إلاَّ إذا ثابوا إلى رُشْدهم، ورجعوا عن غيِّهم، وأنابوا إلى ربِّهم، وأسلموا له من قبل أن يأتيهم العذاب ثم لا ينصرون، واتَّبَعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربِّهم من قبل أن يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون"وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ" [النحل: 36] .