وهكذا تتضح تماماً حيثيات أَخْذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا مُقوِّماتها شيء ؛ ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك ؛ فلا بُدَّ للمقيم للصلاة من إقامة حياة ؛ والمُقوِّم الأول للحياة هو المَأْكل والمَشْرب .
ولذلك دعا إبراهيم عليه السلام:
{فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ . .} [إبراهيم: 37] .
والأفئدة جمع"فؤاد"، وتُطلَق على الطائفة ؛ وعلاقة الفؤاد بالحجيج علاقةٌ قوية ؛ لأن الهوى في الحجيج هوى قلوب ؛ لا جيوب . وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج ، وقد يحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجل أن يحظَى بأداء تلك الفريضة .
وكلمة"هوى"مُكوّنة من مادة"الهاء"و"الواو"و"الياء"ولها معَانٍ متعددة ، فلك أنْ تقول"هَوَى"أو تقول"هَوِى"، فإنْ قلت:"هَوَى يهوي"من السقوط من مكان عالٍ ؛ دون إرادة منه في السقوط ؛ وكأنه مقهورٌ عليه ، وإنْ قُلْت:"هَوِى يهويَ"فهذا يعني أحبّ ، وهو نتيجة لِميْل القلوب ، لا مَيْل القوالب .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .
فهم في مكان لا يمكن زراعته . وقد تقبَّل الحق سبحانه دعاءَ إبراهيم عليه السلام ؛ ووجدنا التطبيق العملي في قوله الحق: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ...} [القصص: 57] .
وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات . وكلمة"يُجْبي"تدل على أن الأمرَ في هذا الرزق القادم من الله كأنه جِبَاية ؛ وأمْر مفروض ، فتكون في الطائف مثلاً وفيها من الرمان والعنب وتحاول أنْ تشتريه ؛ فتجد مَنْ يقول لك: إن هذا يخصُّ مكة المكرمة ؛ إنْ أردتَ منه فاذهب إلى هناك .
وتجد في كلمة: {ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ...} [القصص: 57] .