فهذا يعني حيثية الرِّضا بالتكليف ، وما دام هذا أمراً تكليفياً يجب أنْ يُنفّذ بعشق ؛ فهو يأخذ ثوابين اثنين ؛ ثواب حُبّ التكليف ؛ وثواب القيام بالتكليف .
ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي عند البيت الحرام ، وكان يقول:"اللهم ، إنِّي قد عصيتُك ، ولكني أحب مَنْ يطيعك ، فاجعلها قُرْبة لي". فقال الأصمعي ما يعني أن الله لا بُدَّ أن يغفر لهذا الرجل لِحُسْن مسألته ، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يَقُمْ به هو ؛ بل يقوم به غيره وهذا يُسعده .
فالتكليف عندما يقوم به أيُّ إنسان ؛ فذلك أمر في صالح كل البشر ، وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
أي: أن كُلاً مِنّا يحشر نفسه في زمرة العابدين ؛ لعل الله يتقبّل من واحد فندخل كلنا في الصفقة ؛ ولذلك أقول لِمَنْ يرتكب معصية: عليك ألا تغضب ، لأن هناك مَنْ يطيع الله ؛ بل افرح به ؛ لأن فرحَك بالمطيع لله ؛ دليلٌ على أنك تحبُّ التكليف ، رغم أنك لا تقدر على نفسك ، وفي هذا الحُبِّ كرامة لك .
وقد قال إبراهيم - عليه السلام - عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه وادٍ غير ذي زَرْع ، وقد جاء هو إلى هذا المكان لُينفّذ تكليف الحق سبحانه له ؛ لدرجة أن زوجته هاجر عندما علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت:"إذنْ لن يضيعنا".
ويُقدِّم إبراهيم عليه السلام حيثيات الإقامة في هذا المكان ، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله ، فيقول:
{فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ...} [إبراهيم: 37] .
أي: أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة ؛ ولكن إقامة عبادة ؛ فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله باختيار الله ؛ فلا بُدَّ أن يُعبدَ فيه سبحانه .