وفي آية أخرى: {العزيز الحكيم} [المائدة: 118] .
مع أن السياق المعنويّ قد يُوحي من الظاهر بعكس ذلك؟
وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يُذكّرنا أن نِعَم الله لا تُعَدّ ولا تُحْصَى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
ويقول في آية أخرى بعد أنْ يُذكِّرنا بِنعَمِ الله بنفس اللفظ: {إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18] .
وكذلك قوله: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 11 - 12] .
ثم قوله في آية أخرى: {إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29] .
كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل ، فإن كل آية لها حكمة ، وتنزيلها يحمل أسرار المراد .
وكُلُّ ذلك يأتي تصديقاً لقوله الحق: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] .
لأن الحق سبحانه وتعالى شاء أنْ يُنزِل القرآن على رسوله ، ويضمن أنه سيحفظه ؛ ولن ينسى موقع أن مكان آيةٍ من الآيات أبداً ، ذلك أن الذي قال:
{سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} الأعلى: 6]
هو الحق الخالق القادر .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما قاله إبراهيم عليه السلام: {رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ...} .
ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكانَ لا يصلح للزرع ؛ ذلك أنه أرض صَخْرية ؛ وليست أرضاً يمكن استصلاحها ؛ وقَوْل إبراهيم - عليه السلام -:
{غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] .
أي: لا أملَ في زراعتها بمجهود إنساني ، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني . ولم يكُنْ اختيار المكان نتيجة بَحْثٍ من إبراهيم عليه السلام ؛ ولكن بتكليف إلهيّ ، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم ، وهو مكان من اختيار الله ، وليس من اختيار إبراهيم عليه السلام .
وحين يقول إبراهيم عليه السلام:
{عِندَ بَيْتِكَ المحرم . .} [إبراهيم: 37] .