ويرحب بهذا الضلال كل مَنْ يكره أن يتبع تعاليم الخالق الواحد الأحد .
ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام من بعد الدعاء:
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] .
وهذه تعقيباتٌ في مسألة الغُفران والرحمة بعد العصيان ؛ فمرّة يعقُبها الحق سبحانه: {العزيز الحكيم} [المائدة: 118] .
ومرّة يعقبها: {الغفور الرحيم} [الزمر: 53] .
ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها ، فهناك جريمة الخيانة العُظْمى أو جريمة القِمّة ؛ مثل مَنْ يدّعي أنه إلهٌ ؛ أو مَنْ يقول عنه أتباعه أنه إله دون أنْ يقولَ لهم هو ذلك .
وقد قال عيسى - عليه السلام - بسؤال الحق له: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ...} [المائدة: 116] .
فيأتي قَوْل عيسى عليه السلام: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 116] .
ويتابع عيسى عليه السلام القَوْل: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118] .
وهكذا تأتي العزّة والمغفرة بعد ذِكْر العذاب ؛ فهناك مواقف تُناسِبها العِزّة والحكمة ؛ ومواقف تناسبها المغفرة والرحمة ، ولا أحدَ بقادرٍ على أنْ يردّ لله أَمْرَ مغفرةٍ أو رحمةٍ ؛ لأنه عزيزٌ وحكيمٌ .
وقوله الحق:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس ...} [إبراهيم: 36] .
يعكس صفات مناسبة للمُقدِّمات الصدرية في الآية ، وتؤكد لنا أن القرآن من حكيم خبير ، وأن الله هو الذي أوحى إلى عبده القرآن: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] .
فما الذي يجعله يقول في الآية: {الغفور الرحيم} [الزمر: 53] .