الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) }
وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ} عَلَى نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايَتِكُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ مَالًا: أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ، فَتَتَّهِمُونِي فِي نَصِيحَتِي، وَتَظُنُّونَ أَنَّ فِعْلِيَّ ذَلِكَ طَلَبُ عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا.
{إنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}
يَقُولُ: مَا ثَوَابُ نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايِتِكُمْ إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، إِلَّا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِينِي، وَيُثِيبُنِي
عَلَيْهِ {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} وَمَا أَنَا بِمُقْصٍ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَأَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَخَلْعِ الْأَوْثَانِ وَتَبَرَّأَ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ عِلْيَتِكُمْ وَأَشْرَافِكُمْ.
{إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}
يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَسْأَلُونِي طَرْدَهُمْ، صَائِرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ سَائِلُهُمْ عَمَّا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ، لَا عَنْ شَرَفِهِمْ وَحَسَبِهِمْ. وَكَانَ قِيلُ نُوحٍ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، لِأَنَّ قَوْمَهُ قَالُوا لَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}
يَقُولُ: وَلَكِنِّي أَيُّهَا الْقَوْمُ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ الْوَاجِبَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَاللَّازِمَ لَكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ؛ وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلِكُمْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أَطْرُدَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) }
يَقُولُ: {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرْنِي} فَيَمْنَعْنِي {مِنَ اللَّهِ} إِنْ هُوَ عَاقَبَنِي عَلَى طَرْدِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ اللَّهَ إِنْ طَرَدْتُهُمْ.
{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}
يَقُولُ: أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَقُولُونَ، فَتَعْلَمُونَ خَطَأَهُ فَتَنْتَهُوا عَنْهُ.