وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، اعْتِبَارًا مِنْهُمْ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «فَعَمَاهَا عَلَيْكُمْ» .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلَّذِي ذَكَرُوا مِنَ الْعِلَّةِ لِمَنْ قَرَأَ بِهِ، وَلِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} فَأَضَافَ الرَّحْمَةَ إِلَى اللَّهِ، فَكَذَلِكَ تَعْمِيَتُهُ عَلَى الْآخَرِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ أَوْلَى. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِمَّا حَوَّلَتِ الْعَرَبُ الْفِعْلَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي يَعْمَى عَنْ إِبْصَارِ الْحَقِّ، إِذْ يَعْمَى عَنْ إِبْصَارِهِ، وَالْحَقُّ لَا يُوصَفُ بِالْعَمَى إِلَّا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الَّذِي قَدْ جَرَى بِهِ الْكَلَامُ، وَهُوَ فِي جَوَازِهِ لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ إِيَّاهُ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: دَخَلَ الْخَاتَمُ فِي يَدِي، وَالْخُفُّ فِي رِجْلِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّجْلَ هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْخُفِّ، وَالْأُصْبُعَ فِي الْخَاتَمِ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا الْمُرَادُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}
يَقُولُ: أَنَأْخُذُكُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ عَمَّاهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، {لَهَا كَارِهُونَ}
يَقُولُ: وَأَنْتُمْ لِإِلْزَامِنَاكُمُوهَا كَارِهُونَ، يَقُولُ: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَكِلُ أَمْرَكُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَقْضِي فِي أَمْرِكُمْ مَا يَرَى وَيَشَاءُ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:" {أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} الْآيَةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوِ اسْتَطَاعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَلْزَمَهَا قَوْمَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْلِكْهُ"
عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ: «أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ»