والقصر في قوله: {إنما يأتيكم به الله إن شاء} قصر قلب بناء على ظاهر طلبهم ، حملاً لكلامهم على ظاهره على طريقة مجاراة الخصم في المناظرة ، وإلاّ فإنهم جازمون بتعذّر أن يأتيهم بما وعدهم لأنهم يحسبونه كاذباً وهم جازمون بأنّ الله لم يتوعدهم ، ولعلّهم كانوا لا يؤمنون بوجود الله.
وقوله: {إن شاء} احتراس راجع إلى حمل العذاب على عذاب الدنيا.
ومعنى {وما أنتم بمعجزين} ما أنتم بناجين وفالتين من الوعيد ، يريد أن العذاب واقع لا محالة.
ولعل نوحاً عليه السّلام لم يكن له وحي من الله بأن يحلّ بهم عذاب الدنيا ، فلذلك فوّضه إلى المشيئة ؛ أو لعلّه كان يوقن بنزوله بهم فيكون التعليق بـ {إن شاء} منظوراً فيه إلى كون العذاب معجلاً أو مؤخراً.
{وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}
عَطَف على وعظهم بحلول العذاب وتوقعه بيانَ حال مجادلته إيّاهم التي امتعضوا منها بأنها مجادلة لنفعهم وصلاحهم ، وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتسفيه آرائهم حيث كرهوا ما هو نفع لهم.
والنصح: قول أو عمل يريد صاحبه صلاح المعمول لأجله.
وأكثر ما يطلق على الأقوال النافعة المنقذة من الأضرار.
ويكون بالعمل كقوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} في سورة [التوبة: 91] .
وفي الحديث:"الدين النصيحة لله ولرسوله"أي الإخلاص في العمل لهما لأنّ الله لا ينبّأ بشيء لا يعلمه.
وقد تقدم في قوله تعالى: {ونصحتُ لكم ولكن لا تحبون النّاصحين} في سورة [الأعراف: 79] .
فالمراد بالنصح هنا هو ما سمّاه قومه بالجدال ، أي هو أولى بأن يسمّى نصحاً ، لأن الجدال يكون للخير والشر كما تقدم.