2 -ونلاحظ ملاحظة رئيسية في السياق وهو أن النقاش منصب على المشركين، والحجج تتلاحق ضدهم مرة بعد أخرى، والسبب واضح، لأن التعجب من أن ينزل الله وحيا ويبعث رسولا لا يكون من أهل الكتاب؛ لأنهم يؤمنون بالنبوة والوحي، ولا يكون من ملحد؛ لأنه لا يؤمن بوجود الله أصلا، فلا يكون إلا من مشرك إذن، ومن ثم نجد إنكار فكرة النبوة يظهر في البيئات المشركة، وعلى هذا نجد أن السياق يقيم الحجة تلو الحجة على المشركين في هذا المقطع، ألا أن من مظاهر العظمة في هذا القرآن أنه - وهو يناقش المشركين أو الكافرين - يذكر ويربي المؤمنين، فالسياق القرآني يؤدي دورا ودورا وأدورا، فهو يؤدي دوره في إقامة الحجة العقلية، ويؤدي دوره في التربية السليمة، ويؤدي دوره بما يسع المكان، وبما يسع الزمان، وبحيث يجد أهل كل جيل وأهل كل مكان وكأن القرآن أنزل لهم خاصة، فإذا اتضح هذا فلننتقل إلى المجموعة الأخيرة في هذا المقطع التي تنهي مناقشة الذين تعجبوا أن يكون الله قد أوحى إلى أحد من خلقه، وهي المجموعة السادسة في هذا المقطع.
وتتميز المجموعة بأنها تأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيب أجوبة مباشرة، وأن يناقش مناقشة مباشرة لهؤلاء الذين ينكرون الوحي، ولذلك نجد أن كلمة (قل) تتكرر كثيرا
في هذه المجموعة. والحجج تتلاحق في هذه المجموعة على منكري الوحي والرسالة. فالله عزّ وجل يرزق، ويعطي السمع والبصر، ويعطي الحياة، ويدبر الأمر، فكيف يترك الإنسان بلا هداية. والله يبدأ الخلق ثم يعيده، فكيف يكفر الكافرون بالبعث، وكيف بالتالي - يكفرون بالوحي الذي ينذر بالبعث. والله يهدي والأصنام لا تهدي، فكيف تنكر هدايته ولا تتبع. ثم تختم المجموعة بتقرير أن هذا القرآن ما كان ليكون على ما هو عليه لولا أنه من عند الله، وأن من خصائص هذا القرآن التي تدل على أنه وحي، تصديقه للكتب السابقة، وتفصيله لفرائض الله، فالحجة فيه قائمة على أنه وحي الله، وهي بالتالي حجة على كل من ينكر الوحي، إن الحجة في هذا القرآن قائمة، إن في إعجازه، أو في مضمونه. فلنر المجموعة السادسة.
المجموعة السادسة