وما دام قد وجد إله ، ووجد بلاغ عن الله بواسطة الرسل ، ووجد تكليف ب"افعل"و"لا تفعل"، ووجدت طاعة للتكليف ، ومعصية للتكليف ، إذن: لا بد بعد هذه الحياة من بعث ، ويأخذ من أحسَنَ جزاءه ، وينال مَنْ أساء عقابه ؛ ولذلك قال الحق:
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط .
جاء هذا القول مطمئناً الملتزمين بالمنهج بأن هناك بعثاً وحساباً ؛ لأن المؤمن المطيع لا بد أن ينال حسن الثواب ، وأن ينال العاصي الشرير الذي شقيت الدنيا كلها بعصيانه العقاب ، ولذلك لا بد من الإعادة ؛ ليجزي الله كل واحد بعمله بالقسط . والقسط - كما أوضحنا من قبل - معناه العدل ، والمادة هي القاف والسين والطاء . ننطقها مرة"القسط"بكسر القاف . وننطقها مرة أخرى"القسط"بفتح القاف والقسط"بالكسر"هو العدل ؛ والقسط"بالفتح"هو الظلم ، ولذلك نجد قوله الحق: {وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15]
والمقصود بالقاسطين: الجائرون على حقوق غيرهم .
ونجد قوله الحق: {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} [المائدة: 42]
والمقْسِطون: هم العادلون بين الناس .
إذن: فهناك"قِسْط"و"قَسْط"، وهناك شيء اسمه"قَسَط"بالفتحتين وهو الانحراف في الرِّجلين . إلا أن المستعمل في كلمة"قِسْط"هنا مقصود به العدل ، واسم الفاعل منها"قاسط"واستعملت في الجوْر . وهي مأخوذة من القَسْط لا من القِسْط ، وتجد من أسماء الله"المُقْسِط"، ولم يصف نفسه بالقاسط بمعنى العادل ، أي: ابتدأ بالعدل أولاً ، وشاء سبحانه فوصف نفسه بالمُقْسِط ، لأنه هو الذي يرفع الجور فيحقق العدل .