ويقول قابيل: {ياويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين} [المائدة: 31]
وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه ، وممن سخره الله له . وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبراً ، لا بد أن يبلغه للأعلى ، فتتحقق سيولة المعلومات ، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب ؛ فالهدهد يقول لسيدنا سليمان:
{أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22]
ويتخذ سليمان قراراً ينفذه الهدهد: {اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28]
وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق: {قَالَتْ يا أَيُّهَا الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29]
فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فما قرأته ؛ جمعت قومها ؛ لتخبرهم . وهكذا حذف القرآن بعضاً من التفاصيل التي إن رُويت تكون تكراراً ؛ ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة ؛ ليدلنا الحق على أن أوامر التلقي كانت سريعة بحيث لا يوجد فاصل بين الأمر وتنفيذ الأمر ، فالتحم الأمران معاً .
إذن: فقوله الحق: {قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]
جاء منسجماً مع ما يُفهم من النص ، فهم لم يقولوا ذلك الاتهام إلا بعد أن بلغهم صلى الله عليه وسلم أن الله قال له: بَشِّر وأنذر ، فلما بشَّر وأنذر ، جاء قولهم بأن الرسول ساحر ، وهكذا نفهم كيف تكوَّن موقفهم هذا من سياق الآية ؛ لأنهم لم يقولوا ذلك إلا بعد بلاغ الإنذار ، أو بلاغ البشارة .