وهكذا نجد أن القرآن قد لا يذكر الأشياء التي إذا سمع السامع الأسلوب أخذها من نفسه دون أن يتطلبها كلام منطوق ، ومثل هذا الأمر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ ، فبعد أن ائتمر الهدهد بأمر سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ ، وقرأته ، وجمعت القوم ؛ لتأخذ رأيهم فيما تفعله مع سليمان ، فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها ، فنجد سيدنا سليمان عليه السلام يسأل من حوله: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]
إذن: فهو قد عَلِم أنهم مُقبلون عليه بالإسلام ، فأراد أن ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته ؛ قبل أن يجيئوا ، وما داموا قادمين في الطريق ، فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله ، لا بد أن تكون له طاقة تفوق قدرة الإنسان العادي ، ولذلك لم يتكلم الإنس العادي ، لكن الذي تكلم جني غير عادي ، ذكي ، فمن الجن من يتميز بالذكاء ، ومنهم غير ذلك .
وجاء قول الحق سبحانه: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]
ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات . وسيدنا سليمان يريد التعجيل بنقل عرش بلقيس ، لذلك تجده يستمع إلى من عنده علم من الكتاب: {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...} [النمل: 40]
ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان ، وأن يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل العرش ويعود به؟ نعم ، الأمر يحتاج كل ذلك ، ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع للسرعة ، وجاء القرآن بخبر العرش ، وقد جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلام:
{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ...} [النمل: 40]