{كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} [التوبة: 36] أي: النفوس وصفاتها جميعا ومقاتلة النفوس بمخالفتها وردعها عن هواها وكسر صفاتها ومنعها عن شهواتها وشغلها بالطاعات والعبادات واستعمالها في المعاملات الروحانية والقلبية وجملتها التزكية عن الأوصاف الذميمة والتحلية بالأخلاق الحميدة ثم قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36] وهم القلوب والأرواح والمتقية عن الشرك يعنى عن الالتفات لغير الله ولو لم يكن الله معهم بالنصر والتوفيق لما اتقوا بالله عما سواه.
قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] يشير إلى أن الكفر من شيم النفوس الأمارة بالسوء، وإنما جاء الشرع ليجعلها مأمورة مسلمة لأوامره ونواهيه، فتأخير الأشهر الحرم وتبديلها زيادة في الكفر الطبعي النفساني، {يُضَلُّ بِهِ} [التوبة: 37] عن سبيل الله.
{الَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 37] أي: النفوس الكافرة ليزداد كفرها على الكفر وبعدها على البعد؛ لأنها مع كفرها تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله وهو كفر، وذلك قوله تعالى: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} [التوبة: 37] إلى قوله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37] لأنهم يحسبون أي: مواطأة، {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37] مع تأخيره وتبديله بالطبع، وتغيير المأمور به محموداً، ولا يعلمون أنه كفر زادوه في كفرهم، {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37] أي: إنما لم يتهدوا إلى الإيمان؛ لأن الله ما هداهم.