ثم أخبر عن حث الرجال على القتال بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] الآيتين، {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} أي: يا أيتها الأرواح والقلوب المؤمنة، {مَا لَكُمْ} [التوبة: 38] أي: ما مصيبتكم وبلواكم، {إِذَا قِيلَ لَكُمُ} يعني: بالإلهام الرباني، {انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب الله والسير إليه إذا آمنتم به.
{اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} أي: تثاقلتم إلى أرض الدنيا وملتم إلى شهواتها كالنفوس الكافرة، {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] كيف رضيتم من أنفسكم بركونها إلى الدنيا وشهواتها، وترك الآخرة ونعيمها، واستحسنتم بأن تبيعوا الدين بالدنيا وتريدون الفاني على الباقي؟
{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38] فإن الكثير الفاني قليل بالنسبة إلى القليل الباقي، فكيف أن الدنيا مع فنائها قليل بالنسبة إلى الآخرة مع بقائها، والآخرة ببقائها كثيرة بالنسبة إلى الدنيا مع فنائها!
{إِلاَّ تَنفِرُواْ} [التوبة: 39] أي: لا تخرجوا من الدنيا وسجنها وقيود شهواتها أيتها الأرواح والقلوب الروحانية، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [التوبة: 39] بإبطال أنوار الروحانية، واستيلاء ظلمات الصفات النفسانية، وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية، وألم عذاب البعد عن الحضرة الربانية.
{وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة، {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} [التوبة: 39] على ترك الخروج؛ ولكن تضرون أنفسكم بالحرمان من تلك السعادات، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 39] أي: وهو قادر على استبدال قوم ممن يشاء ومتى يشاء.