بعض الناس يحاول أن يُدخلَ نفسه في متاهة بالسؤال عمَّنْ يكون ذو القرنين ، هل هو قورش؟ أو الإسكندر الأكبر أو غيرهما؟ نقول: إن هذا لا يعنينا ، بل ما يعنينا هو أن نلتفت إلى أن ذا القرنين هو إنسان مكَّنه الله في الأرض . وهذا ينطبق على كل إنسان مكَّنه الله في الأرض ؛ في أي زمان ، وفي أي مكان . ومهمة من يمكنه الله في الأرض ألا يكتفي بعطاء الله من الأسباب ، بل عليه أن يُولد من الأسباب قوة ؛ مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 84 - 85]
مهمته - إذن - أن يثيب من يحسن عمله ، ويعاقب من أساء عمله ، وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 86 - 88]
وأول ما يجب أن يهتم به كل مُمكَّن في الأرض ، بعد توليد الطاقة من الأسباب ، هو معاقبة الظالم لتستقيم الأمور بالضرب على يده . وفي هذا إصلاح لحركة الحياة في الدنيا ، أما في الآخرة فللظالم عذاب آخر ، ذلك أن الذين يعيثون فساداً في الأرض لا يمكن أن نتركهم لعذاب الآخرة ؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة . ولو تركناهم ؛ ولم نضرب على أيديهم ؛ لملأوا الأرض فساداً . والفساد في المجتمع لا يصيب المفسد فقط ، ولكن يكتوي به المجتمع كله .