ولكن إذا رأينا في مجتمع ما أن الذي يعمل لا يأخذ شيئاً ، والذي لا يعمل يأخذ كل شيء ، نعرف أن مقاييس العمل قد اختلت . وأن المتاعب قد بدأت في المجتمع ؛ لأن الذي يعمل حين يجد أن العمل لا يوصله إلى شيء فهو يوجه حركة حياته إلى غير عمله ، فيبذل جهده كله في النفاق والرياء ، وقَلْب الحقائق وإرضاء الذي يملك الأمر . وتكون النتيجة هي فقدان المجتمع لقيمة العمل فيصبح المجتمع بلا عمل منتج ، ويصير مجتمعاً بارعاً في النفاق والرياء وضياع الحق .
وقد وضع الحق سبحانه وتعالى مقياس حركة الحياة في الوعد والوعيد ؛ فلا تُعْطِ حافزاً إلا لمستحق ، ولا مكافأة إلا لمجتهد ؛ ولكنك إذا بعثرت الحوافز على المنافقين ، والذين يحققون لك أهدافك الشخصية ، كأن يخدموك في بيتك أو يقضوا لك مصالحك الخاصة ، ومنعت الحوافز عن الذي يعمل في جد ، تكون بذلك قد أفسدت حركة الوعد والوعيد ؛ فتختل حركة الحياة في المجتمع ؛ لأن حركة كل إنسان يتقن العمل ويجيده ، هي حركة تنفع المجتمع كله ، بصرف النظر عن صاحب الحركة نفسه ، فإذا وُجد عامل نشيط أنجز مصالح عشرات الناس ، أو موظف مخلص ارتاح كل من يتعاملون معه ، فإن أضعْتَ أنت هؤلاء ، فكأن المجتمع هو الذي خسر .
لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف - ومعنى الكهف مغارة في جبل ، والحقائق أيضاً لها كهوف - حين ضرب سبحانه وتعالى مثلاً عن ذي القرنين قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 83] فما هو الذكر الذي يعنيه الله سبحانه وتعالى هنا؟