{أَتَتْهُمْ} ؛ أي: جاءت تلك الأمم الماضية {رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} ؛ أي: بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، الدالة على صدقهم فكذبوهم، وخالفوا أمرنا، كما فعلتم أيها المنافقون والكفار المعاصرون لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فتعجل لكم العقوبة، كما عجلت لهم، {فَمَا كَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {لِيَظْلِمَهُمْ} ؛ أي: ظالمًا لهم، بتعجيل العقوبة لهم؛ لأنه حكيم حليم، فلا يعاقب أحدًا بغير جرم {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث عرضوها للعقوبة بالكفر والتكذيب للأنبياء.
والمعنى: وما كان من سنة الله، ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما حل بهم من العذاب، وقد أعذرهم وأنذرهم، ليجتنبوه، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بجحودهم وعنادهم، وعدم مبالاتهم، بإنذار رسلهم، وقد ضرب هذا المثل للكافرين برسالته - صلى الله عليه وسلم - والمنافقين ليبين لهم أن سنة الله تعالى في عباده واحدة، لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحل بهم من العذاب مثل ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل إن لم يتوبوا، وقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة، وهي غزوة بدر، ثم خذل من بعدهم في سائر الغزوات، وما زال المنافقون يكيدون له في السر، حتى فضحهم الله بهذه السورة، فتاب أكثرهم ومات زعيمهم عبد الله بن أبي بغيظه وكفره، ولم تقم للنفاق قائمة من بعده، وبهذا التمحص كانت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير أمة أخرجت للناس، نشر الله بها أعلام دينه، حتى سادت العالم جميعه. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 11/ 328 - 334} ...