فليس قولكم عذرا مقبولا، ولا تعتذروا أبدا بهذا أو بغيره، للتخلص من هذا الجرم العظيم، فإنكم قد كفرتم وظهر كفركم، كما أظهرتم إيمانكم، وتبين أمركم للناس قاطبة. وقوله: لا تَعْتَذِرُوا على جهة التوبيخ، كأنه يقول:
لا تفعلوا ما لا ينفع.
فإن نعف عن بعضكم لتوبتهم الخالصة كمخشّ بن حميّر، نعذّب طائفة أي جماعة أخرى لبقائهم على النفاق، وارتكابهم الآثام، وإجرامهم في حق أنفسهم وغيرهم، فتعذيبكم بسبب إجرامكم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -تعداد قبائح المنافقين وهي الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون، وهو إقرار بالذنب، بل هو عذر أقبح من الذنب.
2 -لا يقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعتبر الخوض في كتاب الله ورسله وصفاته كفرا، ولا خلاف بين الأمة في أن الهزل بالكفر كفر، لأن الهزل أخو الباطل والجهل، كما قال ابن العربي.
3 -دل قوله تعالى: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ على أربعة أحكام هي:
أولا- الاستهزاء بالدين كفر بالله تعالى، لمنافاته مقتضى الإيمان وهو تعظيم الله تعالى.
ثانيا- لا يقتصر الكفر على القلب، وإنما يشمل الأقوال والأفعال المكفرة.
ثالثا- قولهم الذي صدر منهم كفر حقيقي، وإن كانوا منافقين من قبل، وأن الكفر يتجدد.
رابعا- حدث الكفر بعد أن كانوا مؤمنين في الظاهر.
والخلاصة: إنه تعالى حكم عليهم بالكفر وعدم قبول الاعتذار من الذنب، ما لم يتوبوا من النفاق.
4 -التوبة عن النفاق أو الكفر مقبولة، فمن تاب عفي عنه، ومن أصر على الكفر أو النفاق عوقب في جهنم.
هذا في أساسيات العقيدة، أما حكم الهزل في العقود كالبيع والزواج، والفسوخ كالطلاق، فمختلف فيه بين العلماء على ثلاثة أقوال:
لا يلزم مطلقا، يلزم مطلقا، التفرقة بين البيع وغيره، فيلزم في الزواج والطلاق، ولا يلزم في البيع. والقول الثالث هو المشهور في المذاهب، لما