فمفعول {سلم} ومتعلِّقه محذوفان إيجازاً إذ دلّ عليه قوله: {لفشلتم ولتنازعتم} والتقدير: سَلَّمكم من الفَشَل والتنازع بأن سلمكم من سببهما، وهو إراءتكم واقِع عدد المشركين، لأنّ الاطّلاع على كثرة العدوّ يلقي في النفوس تهيّباً له وتخوّفاً منه، وذلك ينقص شجاعة المسلمين الذين أراد الله أن يوفّر لهم منتهى الشجاعة.
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {ولكن الله سلم} دون أن يقول: ولكنّه سلّم، لقصد زيادة إسناد ذلك إلى الله، وأنّه بعنايته، واهتماماً بهذا الحادث.
وجملة: {إنه عليم بذات الصدور} تذييل للمنة، أي: أوحى إلى رسوله بتلك الرؤيا الرمزية، لعلمه بما في الصدور البشرية من تأثّر النفوس بالمشاهدات والمحسوسات أكثر ممّا تتأثّر بالاعتقادات، فعَلِم أنّه لو أخبركم بأنّ المشركين ينهزمون، واعتقدتم ذلك لصِدْق إيمانكم، لم يكن ذلك الاعتقاد مثيراً في نفوسكم من الشجاعة والإقدام ما يثيره اعتقادي أنّ عددهم قليل، لأنّ الاعتقاد بأنّهم ينهزمون لا ينافي توقّع شدّة تَنْزِل بالمسلمين، من موت وجراح قبل الانتصار، فأمّا اعتقاد قلّة العدوّ فإنّها تثير في النفوس إقداماً واطمئنان بال، فلعلمه بذلك أراكهم الله في منامك قليلاً.
ومعنى {ذات الصدور} الأحوال المصاحبة لضمائر النفوس، فالصدور أطلقت على ما حلّ فيها من النوايا والمضمرات، فكلمة {ذَات} بمعنى صاحبة، وهي مؤنث (ذو) أحدِ الأسماء الخمسة، فأصل ألفها الواو ووزنها (ذَوَت) انقلبت واوها ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، قال في"الكشّاف"في تفسير سورة [فاطر: 38] في قوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} هي تأنيث ذُو، وذُو موضوع لمعنى الصحبة من قوله:
لتَغْنِيَ عَنّي ذَا إنائِك أجمَعا
يعني أنّ ذات الصدور الحالةُ التي قرارتها الصدور فهي صاحبتها وساكنتُها، فذات الصدور النوايا والخواطر وما يهمّ به المرء وما يدبّره ويكيده. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 9 صـ}