وفي هذا السياق نفسه ذكر الله عزّ وجل المسلمين كيف أنه وعد رسوله صلى الله عليه وسلم والجماعة المؤمنة أحد شيئين في خروجهم ذلك، إما أن يعطيهم قافلة المشركين بما فيها، وإما أن ينصرهم على جيش المشركين، وقد رغبت أنفس المسلمين بالقافلة إذ لا قتال ولا مشقة ولا مخاطرة، فهم يحبون إذن أن يكون لقاؤهم مع الطائفة التي لا حول لها ولا منعة ولا قتال، وهي القافلة التي فيها عير قريش وتجارتها، ولكن مراد الله كان غير ذلك، فالله أراد أن يجمع بينهم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال لينصر المسلمين عليهم، فيظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله عاليا على الأديان. وهو أعلم بعواقب الأمور. وهو الذي يدبر للمسلمين فيحسن التدبير. وإن كان العباد يحبون السلامة فيما يظهر لهم؛ وكان أن تحقق بمراد الله إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتحصيل الهيبة للمسلمين، وتشجيع المسلمين على خوض غمار كل حرب، واستئصال شوكة الشرك، وقتل زعمائه، وفتح الطريق للفتوحات العسكرية الكبرى فيما بعد.
فهل الخير كان في القتال يوم بدر أو في غيره؟ هل الخير كان فيما أحبوه أو كرهوه؟
إذن فالقتال في سبيل الله هو الذي يجب أن يألفه المسلمون، وأن يحملوا أنفسهم عليه.
ثم ذكر الله المسلمين بموقف من مواقف بدر، كيف أنه استجاب دعاء المسلمين وأمدهم بالملائكة، وأنزل عليهم النعاس ليلة المعركة، وأنزل المطر صبيحة المعركة، وكان ذلك لصالحهم. وألقى في قلوب الكافرين الرعب بسبب حربهم لله ورسوله، وكان من آثار ذلك كله النصر للمؤمنين، والهزيمة للكافرين؛ عقوبة لهم، ولعقوبة الله يوم القيامة أكبر. وبالتذكير بهذه المعاني تظهر حكمة أخرى من حكم فرضية القتال، وهي تحقيق النصر للإسلام والمسلمين، وإنزال الهزيمة بالكفر والكافرين، وتعذيب الكافرين بأيدي