لأنه لو لم يضرب على آذان أهل الكهف لظل السمع باقياً ، فإذا ظل السمع ، أهاجته الأعاصير ، وعواء الذئاب ، وزئير الأسود ، ولما استطاعوا النوم طيلة هذه المدة .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11] .
وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال هو:
وهل هناك نعاس غير أمنة؟ والجواب نعم ؛ لأنه مجرد الراحة من تعب لتنشط بعدها ، هذا لنفهم أن"أمنة"جاءت لمهمة هي تهدئة أعماق المؤمنين في المهيجات المحيطة ، فهذا عدو كثير العدد ، وهو بلا عتاد ؛ لذلك شاء الحق تبارك وتعالى ألا يضيع منهم الطاقة اللازمة للمواجهة ، ولا تتبدد هذه الطاقة في الفكر ؛ لذلك جعل نعاسهم مخصوصاً يغلبهم وهو"نعاس أمنة"، وجعل المولى عز وجل من هذا النعاس آية ، حيث جاءهم كلهم جميعا ، وهذه بمفردها آية من آياته سبحانه وتعالى ولو غلبهم النوم العميق لمال عليهم الأعداء مَيْلًة واحدة ، ولكنهم أخذوا شيئاً من الراحة التي فيها شيء من اليقظة .
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً} .
وهنا النعاس مفعول به ، وهو أمنة من الله ، وسبحانه يقول في آية أخرى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً} [آل عمران: 154] .
هنا في آية الأنفال نعاس وأمنة ، وهناك في آية آل عمران أمنة ونعاس ؛ لأن الحالتين مختلفتان - فتوضح آية آل عمران أن التعاس قد غشى طائفة واحدة من المقاتلين في غزوة أحد بعد أن أصابهم الغم في هذه الغزوة ، وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما في سورة الأنفال فتبين الآية أن النعاس قد غشى الجيش كله حيث كان الجميع على قلب رجل واحد والإيمان يملأ قلوبهم جميعا ولا يوجد بينهم منافق أو مرتاب فغشيتهم جميعا هذه الأمنة بالنعاس ؛ لأنه يزيل الخوف ، ومن دلائل الأمن والطمأنينة والثقة بنصر الله .