والمعنى: أي أكان ما ذكر آنفا مجهولا لأهل القرى، وأنه هو سنة الله، ولم يتبين لأولئك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، أنّ شأننا فيهم، كشأننا فيمن سبقهم، فهم خاضعون لمشيئتنا، فلو نشاء أن نعذبهم بسبب ذنوبهم لعذبناهم، كما أصبنا أمثالهم ممن قبلهم بمثلها، وأهلكناهم كما أهلكناهم، فإن لم نهلكهم بالعذاب .. نطبع على قلوبهم، فلا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر {وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} . إذ أن قلوبهم قد ملئت بمعتقدات وشهوات تصرفها عن غيرها، فجعلتهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، وقد كان في مثل هذه القصص عبرة للمسلمين أيما عبرة، فكتابهم يقص عليهم قصص الأمم قبلهم، ويبين لهم أنّ ذنوب الأمم لا تغفر، كذنوب الأفراد، وسننه فيها لا تتبدل ولا تتحول، فكان عليهم أن يتقوا كل ما قصه من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم، وزالت بها الدولة لأعدائهم، ولكنهم قصروا في وعظ الأمة بها، وإنذارهم عاقبة الإعراض عنها، وكان عليهم أن يعتبروا بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: «شيبتني هود وأخواتها» وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) } .
وفي «زاد المسير» وقرأ يعقوب: {نهد} بالنون، وكذلك في طه والسجدة. قال الزجاج: من قرأ بالياء .. فالمعنى: أو لم يبين الله لهم؟ ومن قرأ بالنون .. فالمعنى: أو لم نبين؟ انتهى.
وقال الشوكاني: قرئ {نهد} بالنون وبالتحتية، فعلى قراءة النون يكون فاعل الفعل هو الله سبحانه وتعالى، ومفعول الفعل: {أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} ؛ أي: أنّ الشأن هو هذا، وعلى قراءة التحتية يكون فاعل يَهْدِ هو {أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} ؛ أي: أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم، والهداية هنا بمعنى التبيين، ولهذا عدّيت باللام. انتهى.