«إن العقيدة الإيمانية في الله، وتقواه، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خط تاريخ الإنسان. إن الإيمان بالله وتقواه، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض. وعدا من الله. ومن أوفى بعهده من الله؟ ونحن - المؤمنين بالله - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله، نحن نؤمن بالله - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى الإيمان ..
ثم ننظر إلى وعد الله نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه.
إن الإيمان بالله دليل على حيوية في الفطرة وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية وصدق في الإدراك الإنساني وحيوية في البنية البشرية ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود ... وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية لله أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة من العبيد للهوى ولبعضهم بعضا.
وتقوى الله يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور في دفعة الحركة ودفعة الحياة وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج فلا يعتدي ولا يتهور ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح.
وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح عاملة في الأرض متطلعة إلى السماء متحررة من الهوى والطغيان البشري عابدة خاشعة تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه فلا جرم تحفها البركة ويعمها الخير ويظلها الفلاح - والمسألة - من هذا الجانب - مسألة واقع منظور - إلى جانب لطف الله المستور - واقع له
علله وأسبابه الظاهرة إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود.
والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها. وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد، ولا تفصيل ولا بيان. فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال.