قوله: تَعَالَى (قَالُوا) الخ. اسْتئْنَاف والألفاظ الماضوية هنا بمعنى المستقبل فهي
اسْتعَارَة باعْتبَار الزمان والله المستعان، وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليهم حيرة
في أمرهم كما يفعله المضطر الممحن كذا في الكَشَّاف لكن يرد عليه أنه يجوز كون هذا
الطلب قبل يأسهم من الإجابة، وعن هذا قال الإمام ما حكيناه عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله
تَعَالَى عنهما يدل عَلَى أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول غاية الأمر أنه يحتمل الأمرين
اليأس وعدم اليأس.
قوله: (منعهما عنهم منع المحرم عن المكلف) أي حرم هنا مُسْتَعَار لمنع والجامع
مطلق المنع والقرينة المانعة عن إرادة الْحَقيقَة هي أن الدار الْآخرَة ليست محل التكليف
فليس فيها حل ولا حرمة بالْمَعْنَى المصطلح ويمكن أن يقال: إن حرم هنا بالْمَعْنَى اللغوي
لكن كلام الْمُصَنّف أوفق للاسْتعَارَة التمثيلية.
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ(51)
قوله: تَعَالَى (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ) صفة ذامة لا مخصصة.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: منعهما عنهم منع المحرم عَلَى المكلف. حمل حرم عَلَى الاستعارة التمثيلية لتعذر
الحمل عَلَى الحقيقة لأن التحريم والتحليل إنما يكونان في دار التكليف والدار الْآخرَة ليست دار
تكليف، وهذا الْقَوْل قيل لهم في الْآخرَة فشبه حالهم مع شراب حال الجنة وطعامها بحال المكلف
مع ما حرم عليه في المنع عنه وكَذَلكَ قوله عز وجل: (فاليوم ننساهم) لأن الله
منزه عن الشأن ووصفهم بالنسيان لأنهم لم يكُونُوا معترفين بلقاء يوم الْقيَامة ولا عارفين به
والنسيان إنما يكون بعد المعرفة لكن شبه معاملته تَعَالَى مع الْكَافرينَ بمعاملة من نسي عبده من
الخير ولم يلتفت إليه، وَأَيْضًا شبه عدم إخطارهم لقاء الله ببالهم وعدم مبالاتهم بحال من عرف شَيْئًا
ونسيه وقد كثرت أمثال هذه التمثيلات في هذا الْكتَاب الكريم قَالُوا السر فيه أنه لما كان تعليم
الْمَعَاني التي في عالم الغيب للبشر لم يمكن إلا بأمثلة من عالم الشَّهَادَة فلا بد أن يشعر عن الْمَعَاني
الغيبية بعبارات الأمثلة من عالم الشَّهَادَة فكانت استعارات تمثيلية. وقَالُوا في هذا المقام كلام أدق
وألطف من هذا وهو أن العلوم الإلهية أعلى وأنزه من أن يصل [إليها] عقول البشر فمثال من أراد
تفهيم ذلك للبشر كمن أراد أن يفهم ما في ضميره خلاف جنسه من الطيور والبهائم من الحيوانات
فلا بد له أن يتنزل عن مرتبته إلَى مرتبة ذلك الحيوان فيصوت بصوته كالصفير في تعليم البازي
ويشير إليه بإشارات مناسبة لما أراده في ضميره بحَيْثُ يفهم ذلك من طرز مناسبات الإشارات
ويشعر بما في ضميره ويصل شعوره إليه؛ إذ لو تكلم كلامًا مما يناسب مرتبته لم يكد يفهمه ذلك
الحيوان فالأمثال الْمَذْكُورة في الْقُرْآن المجيد من هذا القبيل هكذا قَالُوا وقد وقعت عَلَى كلام بعض
من العلماء الكبار أن وصف نعيم الْآخرَة وآلامها من هذا القبيل قال إن هُوَ إلا تصوير صوروها
وتقدير قدروها، وإلا فذلك لا يمكن وصفها بشيء والتعبير عنها بعبارة عَلَى ما أشار إليه أفضل
الرسل - صلى الله عليهم وسلم - مع أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر.