ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان وللزم كونه محدودا مقدرا وكل محدود ومقدر جسم وكل جسم مركب محتاج إلى أجزائه ويتقدس من له الغنى المطلق عن الحاجة ولأن مكان الاستقرار لو قدر حادث مخلوق فكيف يحتاج إليه من أوجده بعد عدمه وهو القديم الأزلى قبله
فإن قيل نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة
قلنا الموجود قسمان موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله فالأول ممنوع لاستحالته والرب لا يتصرف فيه ذلك إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه فوجب تصديقه عقلا وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بعد الفهم الحسي له فكذلك دل على نفي الجهة والحيز مع بعد فهم الحس له
وقد اتفق أكثر العقلاء على وجوه ما ليس في حيز كالمعقول والنفوس والهيولي وعلى وجود ما لا يتصوره الذهن كحقيقة نفس الحرارة والبرودة فإنها موجودة قطعا ولا يتصور الذهن حقيقتها ولم يقل أحد إنهم ادعوا مستحيلا أو مخالفا للضرورة
فإن قيل قصة المعراج تدل على الجهة والحيز
قلنا قصة المعراج أريد بها والله أعلم أن يريه الله تعالى أنواع مخلوقاته وعجائب مصنوعاته في العالم العلوي والسفلي تكميلا لصفاته وتحقيقا لمشاهداته لآياته ولذلك قال تعالى لنريه من آياتنا وسيأتي البسط في هذا في جواب الحديث إن شاء الله تعالى
فإن قيل إليه يصعد الكلم الطيب وهذا ظاهر في الجهة وكذلك قوله تعالى تعرج الملائكة والروح إليه وقوله ثم يعرج إليه الآية
قلنا ليس المراد بالغاية هنا غاية المكان بل غاية انتهاء الأمور إليه كقوله تعالى ألا إلى الله تصير الأمور وإليه يرجع الأمر كله وقول إبراهيم الخليل عليه السلام إني ذاهب إلى ربي سيهدين وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له توبوا إليه وهو كثير
فالمراد الانتهاء إلى ما أعده لعباده والملائكة من الثواب والكرامة والمنزلة