{لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج: 37] وقوله {سينالهم غضب من ربهم} [الأعراف: 152] ، فتعيّن أن يكون هذا إمّا مجازاً مرسلاً في معنى مطلق الإصابة ، وإمّا أن يكون استعارة مبنيّة على عكس التّشبيه بأن شبّه النّصيب بشخص طالب طِلبة فنالها ، وإنّما يصار إلى هذا للتّنبيه على أنّ الذي ينالهم شيء ٌ يكرهونه ، وهو يطلبهم وهم يفرّون منه ، كما يطلب العدوّ عدوّه ، فقد صار النّصيب من الكتاب كأنَّه يطلب أن يحصِّل الفريق الذين حقّ عليهم ويصادِفهم ، وهو قريب من القلب المبني على عكس التّشبيه في قول رؤبة:
وَمَهْمَهٍ مُغْبَرّةٍ أرجاؤُه...
كأنّ لَوْنَ أرْضِهِ سَمَاؤُه
وقولهم:"عرضتُ النّاقة على الحوض".
والنّصيب الحظّ الصّائر لأحد المتقاسمين من الشّيء المقسوم ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} في سورة البقرة (202) ، وقوله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} في سورة النساء (7) .
والمراد بالكتاب ما تضمَّنه الكتاب ، فإن كان الكتاب مستعملاً حقيقة فهو القرآن ، ونصيبهم منه هو نصيبهم من وعيده ، مثل قوله تعالى آنفاً: {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [الأعراف: 36] ، وإن كان الكتاب مجازاً في الأمر الذي قضَاه الله وقدّره ، على حدّ قوله: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] أي الكتاب الثّابت في عِلم الله من إحقاق كلمة العذاب عليهم ، فنصيبهم منه هو ما أخبر الله بأنّه قدّره لهم من الخلود في العذاب ، وأنّه لا يغفر لهم ، ويَشْمل ذلك ما سبق تقديره لهم من الإمهال وذلك هو تأجيلهم إلى أجل أراده ثمّ استئصالهم بعده كما أخبر عن ذلك آنفاً بقوله: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] .