وكان الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: {قَالُواْ} أي الرسل لهم {أَيْنَ مَا الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا وتستعينون بها في المهمات {قَالُواْ ضَلُّواْ} أي غابوا {عَنَّا} لا ندري أين مكانهم فإن هذا السؤال والجواب وكذا ما يترتب عليهما مما سيأتي إنما يكون يوم القيامة لا محالة ولعله على الظاهر أريد بوقت مجيء الرسل وحال التوفي الزمان الممتد من ابتداء المجيء والتوفي إلى نهاية يوم الجزاء بناء على تحقق المجيء والتوفي في ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفي.
و {مَا} وصلت بأين في المصحف العثماني وحقها الفصل لأنها موصولة ولو كانت صلة لا تصلت.
{وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي اعترفوا على أنفسهم.
وليس في النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة فالشهادة مجاز عن الاعتراف {إِنَّهُمْ كَانُواْ} في الدنيا {كافرين} عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا حيث اتضح لهم حاله، والجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم بالكفر.
ويحتمل أن تكون عطفاً على {قَالُواْ} وعطفها على المقول لا يخفى ما فيه.
والاستفهام على ما ذهب إليه غير واحد غير حقيقي بل للتوبيخ والتقريع وعليه فلا جواب.
وما ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران ولا تعارض بين ما في هذه الآية وقوله تعالى: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] لأن الطوائف مختلفة أو المواقف عديدة أو الأحوال شتى. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 8 صـ}