أخرج البخاري عن ابن عباس قال: «إذا سرّك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً إلى قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية: هذا صنع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السّباء والفاقة، ويغذو كلبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تلك شرائع العرب في جاهليتهم الجهلاء، مصدرها وهم وسخف، وقصور عقل، وهوى فاسد، روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم، ووفور أحلامكم، عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها.
هذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلهم أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فبئس الحكم حكمهم.
قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما الله، ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله.
إنهم لم يعدلوا في قسمتهم الزروع والثمار والأنعام، فما جعلوه لله بزعمهم صرفوه لأوثانهم، وما جعلوه لأوثانهم قدموه لها.
وقد ارتكبوا ظلما عظيما بوأد البنات: وهو دفن البنت حية مخافة السّباء والحاجة، ولعدم ما حرمن من النصرة، أي أنهم لا يستطيعون الغزو والقتال.
وشركاؤهم وهم الذين كانوا يخدمون الأوثان، أو الغواة من الناس أو
الشياطين هم الذين زينوا لهم قتل أولادهم ليهلكوهم، وليخلطوا عليهم دينهم الذي ارتضى لهم، أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين إسماعيل.
وقد صنفوا أموالهم وأقواتهم ثلاثة أصناف، صنف لمعبوداتهم وأوثانهم، وصنف حرّمت ظهورها، وصنف لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، افتراء وكذبا على الله بما لم يشرعه، وسيلقون جزاء افترائهم.
وخصصوا ألبان الأنعام وذكورها لذكورهم الرجال، وحرموها على الإناث، وجعلوا الميتة شركة بين الذكور والإناث، وتركوا الأنثى للنتاج، سيجزيهم الله وصفهم، أي كذبهم وافتراءهم، أي يعذبهم على ذلك.
وكان أشد أنواع عاداتهم وأحكامهم ظلما وجرما قتلهم الأولاد أي البنات وتحريم ما أحل الله، بدليل أنه كرر الله توبيخهم عليه في هذه الآيات، وحكم عليهم بسبعة أمور: