فَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَنَحْنُ لِلَّهِ مُخْلِصُو الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَهُ أَحَدًا، كَمَا عَبَدَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مَعَهُ الْأَوْثَانَ، وَأَصْحَابُ الْعِجْلِ مَعَهُ الْعِجْلَ. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ وَاحْتِجَاجٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكُمْ: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} : {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فِي اللَّهِ} فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَدِينَهُ بِهِ، وَرَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَاحِدٌ عَدْلٌ لَا يَجُورُ، وَإِنَّمَا يُجَازَى الْعِبَادُ عَلَى مَا اكْتَسَبُوا. وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا لِقِدَمِ دِينِكُمْ وَكِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ لَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَقَدْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ، فَعَبَدَ بَعْضُكُمُ الْعِجْلَ وَبَعْضُكُمُ الْمَسِيحَ. فَأَنَّى تَكُونُوا خَيْرًا مِنَّا، وَأَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: {أَمْ تَقُولُونَ} بِالتَّاءِ، فَمَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} أَتُجَادِلُونَنَا فِي اللَّهِ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ؟
فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا (أَمْ يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ.
وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وُجِّهَ قَوْلُهُ: (أَمْ يَقُولُونَ) إِلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} وَكَمَا يُقَالُ: إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ.