لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثارها في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجليّ وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسدّدت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل
أرى ابن أبي مروان أمّا لقاؤه ... فدان وأمّا الحكم فيه فعادل
وقد ذكر البحتريّ في كلمة له، بعض كهول العسكر، ومن أنبل أبناء كتّابهم الجلّة فقال: [من الكامل]
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدّجى في كتبه
[فضل الخطوط]
وأقول: لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسّجلّات والصّكاك، وكلّ
إقطاع، وكلّ إنفاق، وكلّ أمان، وكلّ عهد وعقد، وكلّ جوار وحلف. ولتعظيم ذلك، والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهليّة من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة، تعظيما للأمر، وتبعيدا من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلّزة، في شأن بكر وتغلب: [من الخفيف]
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دّم فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتّعدّي، وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء!
والمهارق، ليس يراد بها الصّحف والكتب، ولا يقال للكتب مهارق حتّى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان.
[الرقوم والخطوط]
وليس بين الرّقوم والخطوط فرق، ولولا الرقوم لهلك أصحاب البزّ والغزول، وأصحاب الساج وعامّة المتاجر، وليس بين الوسوم التي تكون على الحافر كلّه والخفّ كلّه والظّلف كلّه، وبين الرقوم فرق، ولا بين العقود والرقوم فرق، ولا بين الخطوط والرقوم كلّها فرق، وكلّها خطوط، وكلها كتاب، أو في معنى الخطّ والكتاب، ولا بين الحروف المجموعة والمصورّة من الصوت المقطّع في الهواء، ومن الحروف المجموعة المصوّرة من السواد في القرطاس فرق.
[اللسان والقلم]