{هذا نَذِيرٌ مّنَ النذر الأولى} هَذا إمَّا إشارةٌ إلى القُرآنِ ، والنذيرُ مصدرٌ ، أو إِلى الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والنذيرُ بمَعْنى المُنذرِ ، وأياً ما كانَ فالتنوينُ للتفخيمِ ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو نعتٌ لنذيرٌ مقررٌ له ومتضمنٌ للوعيدِ أي هَذا القرآنُ الذي تشاهدونَهُ نذيرٌ من قبيلِ الإنذاراتِ المتقدمةِ التي سمعتُم عاقبتَها ، أو هذا الرسولُ منذرٌ من جنسِ المنذرينَ الأولينَ والأُولى على تأويلِ الجماعةِ لمراعاةِ الفواصلِ وقد علمتُم أحوالَ قومِهم المنذرين وفي تعقيبهِ بقولِه تعالى: {أَزِفَتِ الأزفة} إشعارٌ بأنَّ تعذيبَهُم مؤخرٌ إلى يومِ القيامةِ أي دنتِ الساعةُ الموصوفةُ بالدنوِّ في نحوِ قولِه تعالى: {اقتربت الساعة} {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ} أي ليسَ لها نفسٌ قادرةٌ على كشفِها عندَ وقوعِها إلا الله تعالَى لكنَّه لا يكشفُهَا أو ليسَ لها الآنَ نفسٌ كاشفةٌ بتأخيرِها إلا الله تعالَى فإنَّه المؤخِّرُ لَها أو ليسَ لها كاشفةٌ لوقتِها إلا الله تعالَى كقولِه تعالى: {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} أو ليسَ لها من غيرِ الله تعالى كشفٌ على أنَّ كاشفةٌ مصدرٌ كالعافيةِ.
{أَفَمِنْ هذا الحديث} أي القرآنِ {تَعْجَبُونَ} إنكاراً {وَتَضْحَكُونَ} استهزاءً مع كونِه أبعدَ شيءٍ من ذلكَ {وَلاَ تَبْكُونَ} حُزناً على ما فرَّطُّتم في شأنِه وخوفاً من أنْ يَحيقَ بكُم ما حاقَ بالأممِ المذكورةِ {وَأَنتُمْ سامدون} أي لاهونَ أو مستكبرونَ من سَمد البعيرُ إذا رفعَ رأسَهُ أو مغنونَ لتشغَلوا النَّاسَ عن استماعِه من السمودِ بمَعْنى الغناءِ على لغةِ حِميرَ أو خاشعونَ جامدونَ من السمودِ بمَعْنى الجمودِ والخشوعِ كما في قولِ مَنْ قالَ
رَمَى الحِدْثانُ نِسْوةَ آلِ سَعْد... بمقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوداً