الأولى: على قولنا: إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية ، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى ، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول: هو موجب لا قادر ، فقال تعالى: هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة ، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل ، وعلى قولنا: إن قوله تعالى: {وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى} [النجم: 42] بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكاً فرحاً وفي بعضها باكياً محزوناً كذلك يفعل به في الآخرة.
المسألة الثانية:
{أَضْحَكَ وأبكى} لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور ، فلا حاجة إلى المفعول.
يقول القائل: فلأن بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعاً ومعطى.
المسألة الثالثة:
اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً وسبباً ، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو الله تعالى ، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمراً له الضحك قالوا: قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك ، وقيل: قوة الفرح ، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيراً ولا يضحك ، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك ، وكذلك الأمر في البكاء ، وإن قيل لأكثرهم علماً بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا ؟ لا يقدر على تعليل صحيح ، وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي ، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته.