فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 422733 من 466147

أقول: (فرَّ) يتعدى بـ (مِن) . فلمَ عدّاه الحكيم بـ (إلى) ؟ هل ضمَّنه معنى لجأ واللجوء إلى كنف اللَّه ورحمته هو منجاة من عذابه كما جاء في الحديث الشريف، واللجوء أضوأ من الفرار أو الهروب وأنوه، لجفاء طبعٍ يوحشك في هذا، وليانٍ وحنوٍّ يُؤنسك في ذاك.

والفرار صورة حسّية عجيبة لا يقوم مقامها في هذا السياق أي لفظ آخر، فهي تستحثنا على وجه السرعة إلى البَدار ما دُمنا في هذه الدار، والآن الآن قبل ألا يكون آن ... أن نفر من أين؟ من الهوى والنفس والدنيا الدنيّة ... وإلى أين؟ إلى اللَّه نلجأ بتوبة نصوح، ونتوجه بعمل صالح يزحزحنا من النار إلى الجنة.

أرأيت كيف يُكسب التضمينُ اللفظَ نفاسة حين ضم إلى الفِرار اللجوء فجمع النقيضين في عروته، لعله يذهب بك في استحسان معناه ما يستولي على هوى نفسك.

(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)

قال أبو السعود: فإن تعلُّق كلمة (مِنْ) بالإنذار مع كون صلته الباء بتضمينه معنى [الفرار] . يقال: فرَّ منه أي هرب، وفيه تأكيد لما قبله من الفرار من العقاب إليه تعالى لكن لا بطريق التكرير كما قيل: بل بالنهي عن سببه.

أقول: أنذر يتعدى بنفسه وبالباء فحين تعدى بـ (مِن) فقد تضمَّن معنى (النجاة) فالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منذر، نِذارته نجاة، والصلة (لكم) متعلقة بمبين والبيان أول سبيل النجاة وأخص أسبابها. وقول رسولنا الكريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك"يعني أن النجاة منه إنما في الفرار إليه وهذا تأكيد لما أومأ إليه أبو السعود وعقد الغرض عليه قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) فالرسول صلوات اللَّه عليه مُنج منه أي من عذابه بالتبيين لكل أسباب النجاة .. وهندسة الصوت في التنسيق الفني في القرآن الكريم أن يرد النظم في تقديم ما حقه التأخير ليحدث موجاتٍ صوتية توقع على أوتار القلب ترتيلا وتنغيما لا يحدثه أي ترتيب آخر. ولا يقع في وهم أحد أن يوازيه أو يدانيه في هذا النظم البديع فلو قلت: إني مبين لكم نذير منه، لأحدث اضطرابا في موسيقاه ونشاذا في تنغيمه الصوتي تضطرب معه النفس وتتأذى منه الأذن. فـ (مِنْ) هذه هي التي لوَّحت لنا بغرض النجاة ليستضيء به المنذرون ويتنبهوا على أسبابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت