وأصله ما ذكرنا: أن خلق اللَّه تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما اللَّه تعالى إنما يخلق الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ...(39) .
أي: فاصبر على ما يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا يدعو عليهم بالهلاك.
ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في اللَّه من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن اللَّه تعالى ينتقم منهم لك.
وإنما أمره بالصبر؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان سريع الغضب لله تعالى فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك جميع الأنبياء - عليهم السلام - لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في اللَّه أو فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) .
قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق به.
وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة، فمعنى قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) . أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب تعالى بالتعظيم والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا.
ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، وكذلك إذا جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخلائق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، واشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أن يكون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ لهذا.