{قَالَ} الله تعالى أو خازن النار: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ} ؛ أي: أحسوا به إحساس الذائق المطعوم {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} به في الدنيا. و {الباء} : للسببية، ومعنى الأمر: الإهانة بهم، والتوبيخ لهم على ما كان منهم في الدنيا، من الكفر والإنكار لوعد الله ووعيده، قال ابن الشيخ: الظاهر: أنّ صيغة الأمر لا مدخل لها في التوبيخ، وإنما هو مستفاد من قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ؛ أي: قال آمرًا لهم على طريق الإهانة والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار الآن، جزاء جحودكم به في الدنيا، وإبائكم الاعتراف به، إذا دعيتم للتصديق به.
35 -ولمّا قرّر التوحيد والنبوّة والبعث، وأجاب عن شبهاتهم .. أردف ذلك بما يجرى مجرى العظة والنصيحة لنبيّه؛ لأنّ الكفّار كانوا يؤذونه، ويوغرون صدره، فقال: {فَاصْبِرْ} و {الفاء} فيه: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت عاقبة الكفرة، وأنه لم ينجح فيهم الإنذار، وأردت بيان ما هو الأصلح والنصيحة لك .. فأقول لك: اصبر أيها الرسول على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك، الذين أرسلناك إليهم منذرًا.
{كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ} ؛ أي: أصحاب الحزم والثبات {مِنَ الرُّسُلِ} على القيام بأمر الله، والانتهاء إلى طاعته، فإنك منهم.
والخلاصة: اصبر على الدعوة إلى الحق، ومكابدة الشدائد، كما صبر إخوانك الرسل من قبلك، قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة، والأظهر: أنها منسوخة؛ لأنّ السورة مكيّة.
والمعنى: أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ذكر .. فاصبر على ما يصيبك من جهتهم، كما صبر أولوا الثبات والحزم من الرسل، فإنك من جملتهم، بل من أفضلهم، و {من} : للتبين، فيكون الرسل كلهم أولي عزم وجدٍّ في أمر الله. قال في"التكملة": وهذا لا يصحّ لإبطال معنى تخصص الآية، وقيل: {من} : للتبعيض على أنهم أولوا عزم، وغير أولي عزم، والمراد بأولي العزم: أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيسيها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاغين فيها، ومشاهيرهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد عليهم السلام، وقد نظمهم بعضهم بقوله: