والمعنى: أي يا قومنا أجيبوا رسول الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، وصدِّقوه فيما جاء به من أمر الله ونهيه، يغفر لكم بعض ذنوبكم، ويسترها لكم، ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته لكم عليها، وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم إلى ربّكم، وأخلصتم له العبادة، وفي الآية إيماء إلى أنّ حكم الجنّ حكم الإنس في الثواب والعقاب، والتعبّد بالأوامر والنواهي، وقال الحسن: ليس لمؤمني الجنّ ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة، والأوّل أولى وبه قال مالك والشافعيّ، وابن أبي ليلى، فقد قال الله تعالى في مخاطبة الجنّ والإنس: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) } ، فامتَّن سبحانه على الثقلين، بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولا ينافيه الاقتصار هاهنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا: أنّ الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة وهو مقام فضل؟ ومما يؤيّد هذا أيضًا: ما في القرآن في غير موضع، أنّ جزاء المؤمنين الجنّة، وجزاء من عمل صالحًا الجنة، وجزاء من قال: لا إله إلا الله الجنّة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة.
وقد اختلف أهل العلم: هل أرسل الله سبحانه إلى الجنّ رسلًا منهم أم لا؟
وظاهر الآيات القرآنية أنَّ الرسل من الإنس فقط، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الْأَسْوَاقِ} وقال سبحانه في إبراهيم الخليل: {وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} . فكل نبيّ بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريّته، وأمّا قوله تعالى في سورة الأنعام: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} فقيل: المراد من مجموع الجنسين، وصدق على أحدهما وهم الإنس، كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) } ؛ أي: من أحدهما.