حالة كون ذلك الكتاب {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ؛ أي: موافقًا لما قبله من التوراة والكتب الإلهية في الدعوة إلى التوحيد والتصديق، وحقّية أمر النبوّة والمعاد وتطهير الأخلاق، فهو حال من {كِتَابًا} لتخصصه بالصفة، أو صفة ثانية له. {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} والصواب من العقائد الصحيحة {وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} ؛ أي: موصل إليه، لا عوج فيه، وهو الشرائع، والأعمال الصالحة، قال ابن عطاء: يهدي إلى الحق في الباطن، وإلى طريق مستقيم في الظاهر، وجملة {يَهْدِي} : إما حال ثانية، أو صفة ثالثة لـ {كِتَابًا} .
والمعنى: أي قالوا: يا قومنا من الجنّ إنّا سمعنا كتابًا أنزله الله من بعد توراة موسى، يصدِّق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله، ويرشد إلى سبيل الحقّ، وإلى ما فيه لله رضًا، وإلى الطريق الذي لا عوج فيه، وخصوا التوراة؛ لأنّه متفق عليه عند أهل الكتابين، كما مرّ آنفًا. وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهوديّة، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قيل: وأسلم من قومهم حين رجعوا إليهم وأنذروهم سبعون. اهـ"خطيب". وقالوا: إنّ الجنّ لهم مللٌ مثل الإنس، ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر، وخلق القرآن، ونحو ذلك من المذاهب والبدع، وروي: أنهم ثلاثة أصناف:
صنف: لهم أجنحة يطيرون بها.
وصنف: على صورة الحيات والكلاب.
وصنف: يحلون ويظعنون.
واختلف العلماء في مؤمني الجنّ، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلّا النجاة من النار، وعليه أبو حنيفة. وحكي عن الليث وبعد نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم، وقال آخرون: لهم الثواب على الإحسان, كما عليهم العقاب على الإساءة، وهذا هو الصحيح، وعليه ابن عباس والأئمّة الثلاثة، فيدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وقال عمر بن عبد العزيز: إنّهم حول الجنة في ربضٍ ورحابٍ، وليسوا فيها. اهـ"خازن".