{فَلَمَّا قُضِيَ} القرآن؛ أي: فرغ من تلاوته {وَلَّوْا} ؛ أي: انصرفوا {إِلَى قَوْمِهِمْ} ورجعوا إليهم، حال كونهم {مُنْذِرِينَ} لهم؛ أي: مقدرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم؛ يعني: آمنوا به، وأجابوا إلى ما سمعوا، ورجعوا إلى قومهم منذرين؛ أي: مخوّفين لهم من عقاب الله إن خالفوه؛ أي: انصرفوا وتفرقوا في البلاد، قاصدين إلى من ورائهم من قومهم، منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذّرين لهم، ولا يلزم من رجوعهم بهذه الصفة أن يكونوا رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ يجوز أن يكون الرجل نذيرًا ولا يكون نبيًا أو رسولًا من جانب أحد، فالنذارة في الجنّ من غير نبوّة، وفي"الخطيب": رجعوا إلى قومهم منذرين بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعلهم رسلًا إلى قومهم. اهـ.
وقرأ الجمهور: {فَلَمَّا قُضِيَ} مبنيًا للمفعول، وأبو مجلز وخبيب بن عبد الله بن الزبير: {قَضَى} مبنيًا للفاعل؛ أي: قضى محمد ما قرأ؛ أي: أتمَّه وفرغ منه.
وقال ابن عمرو وجابر بن عبد الله: قرأ عليهم سورة الرحمن، فكان إذا قال: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .. قالوا: لا شيء من آيات ربّنا نكذّب، ربنا لك الحمد.
ومعنى الآية: أي واذكر يا محمد لقومك موبِّخًا لهم على كفرهم بما آمنت به الجنّ، لعلّهم يتنبهون لجهلهم، ويرعوون عن غيّهم وقبيح ما هم فيه من كفر بالقرآن، وإعراض عنه، مع أنهم أهل اللسان الذي به نزل، ومن جنس الرسول الذي جاء به، وأولئك استمعوه، وعلموا أنه من عند الله، وآمنوا به، وليسوا من أهل لسانه، ولا من جنس رسوله في ذلك الوقت الذي وجه الله إليه جماعةً من الجنّ ليستمعوا القرآن، ويتعظوا بما فيه من عبر وعظات، فلمَّا حضروا الرسول، قال بعضهم لبعض: أنصتوا مستمعين، فلمّا فرغ من تلاوته .. رجعوا إلى قومهم لينذروهم بأس الله وشديد عذابه.
وذكر الوقت ذكر لما فيه من الأحداث التي يراد إخبار السامع بها, لما لها من خطر جليل، وشأن عظيم، فيراد علمه بها, ليكون لها في نفسه الأثر الدي يقصدى منها من تركيب أو ترهيب، ومسرّة أو حزن إلى نحو أولئك من أغراض الكلام ومقاصده.