ومن كان هذا شأنه مع الأئمة فكيف يكون حاله معنا وما نحن إلاَّ جهلة بالنسبة لهم ، وما مثلنا ومثلهم إلاَّ كقزم أمام عملاق كبير ، إنه بالبداهة لا يقيم لنا وزناً ، ولا يعترف لنا بفضل ، وإذا فرض عليه نظام الجامعة أن يجلس على الكرسي أمامنا ، فإنه يجلس مستعلياً منتفخاً ، لا يكاد يحمله كرسي ولا غرفة صفه ، وهو لم يجلس ليتعلم وإنما جلس ليراقب المدرس ماذا سيقول ؟
وقد قلت عندنا في كلية الشريعة ، لأن هذه الظاهرة لا ترى إلاَّ في بعض طلاب علوم الشريعة فقط لما ساد من فوضى دينية بفقد علوم الشرع ، والابتعاد عنها ، وقلة العلماء بها ، وبفتنة الدعوة إلى نبذ آراء الأئمة ودعوة كل إنسان إلى الاجتهاد وهو لما يعرف القراءة بعد ، ولما يتعلم تلاوة كتاب الله - وأما طلاب العلوم في الكليات الأخرى فإن الطالب يذهب ليتعلم ولذلك فإنه بحاجة إلى مدرسه ليعلمه ، ولذلك يستحيل أن ترى في كلية الطب أو العلوم أو الهندسة طالباً يذهب إليها وهو يزعم أنه مجتهد بها ، وأنه يقول عن عباقرتها والنابغين فيها من أساتذته وغيرهم هم رجال ونحن رجال
لقد كنت ألقي محاضرة في أصول الفقه ، وكان أمامي أحد المتعالمين المجتهدين ممن وصفت حالهم ، فطلب منه أن يقرأ أحد النصوص فقرأ ، حتى وصل في وسط السطر الأول يقرأ منه إلى قول المؤلف"وهو قولُهُ تعالى"فقرأها بالكسر ،"وهو قولِهِ تعالى"فقلت له يا بني هذه مرفوعة وليست مجرورة قل"وهو قولُه تعالى".
فما كان من ذلك الطالب - عفواً - الإمام المجتهد بزعمه إلا أن احمرت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، وارتعدت فرائصه ، وكأنه يستعد لمعركة أعطاه الله ألف عهد على أنه الرابح فيها حسبما سول له جهله ، ونظر إلى مستعلياً وقال لي: لماذا لا يجوز أن تكون مجرورة؟ ألا يصح أن تكون بدلاً ...؟