وكانت كلمته هذه صدمة عنيفة لتفكيري ، لأني ما كنت أظن أنه يمكن أن يوجد فيمن ينطق بلغة العرب من عامتها من يصل إلى هذا المستوى من الجهل علاوة عن أن أظنه فيمن يزعمون أنهم من المجتهدين أو من طلاب العلم ، وجال فكري في كلمة البدل التي أراد أن يجر بها المرفوع ، فما وجدت لها مخرجاً في لغة العرب إلاَّ أن تكون بدلاً من جهل جره غرور نيابة عن الحمق .
وهنا رأيت الصمت خيراً من الكلام ، لأن في الطلاب بقيةً ممن ذاق طعم لغة العرب وعرف بعض مسالكها.
الكلب الأعور وصيغة جمعه
إن أهم ما يجب أن يقدم على علوم الشرع ، مما يتوقف فهمها عليه - هو علوم اللغة العربية من النحو ، والصرف ، والبلاغة ، ومتن اللغة ، والأدب ، وغير ذلك.
ولذلك سميت هذه العلوم ، مع علم المنطق ، وآداب البحث والمناظرة - سميت بعلوم الآلة.
وكانت الجامعات الإسلامية وغيرها من مواطن التدريس تهتم بهذه العلوم وتوليها العناية البالغة ، لأن فهم الدين متوقف عليها ، إذ تعبدنا الله بفهم كتابه وسنة نبيه بناء على قوانين وقواعد لغة العرب التي أنزل بها القرآن الكريم ، وبأساليبها نطق نبينا العظيم ، عليه أفضل الصلاة والسلام .
فمن لم يعرف لغة العرب لا يعرف الدين ، ومن لم يفهمها ويتذوقها في قواعدها لن يفهم ولن يتذوق القرآن والسنَّة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وقد حدثنا أشياخنا عن طريقة التدريس في الأزهر قبل أن يطور ويدمر ، أن الطالب كان لا يدخله إلاَّ وهو حافظ للقرآن في الكتاتيب ، فإذا دخله قرأ في السنة الأولى من كتب النحو الآجرومية بأربعة شروح لها.
وفي السنة الثانية يقرأ قطر الندى .
وفي السنة الثالثة يقرأ شذور الذهب .
وفي السنة الرابعة يقرأ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ويحفظها كما يحفظ الفاتحة.
وفي السنة الخامسة والسادسة يقرأ شرح الأشموني على الألفية .
فإذا نجح في هذا ، وانتهى منه شرع في السنة السابعة والثامنة بدراسة المطول على السعد في البلاغة.