وهكذا كان يدرس ويتدرج في الكتب في شتى العلوم .
وهذا يعني أن الطالب الذي قرأ هذه السلسلة المتتابعة ، من الآجرومية إلى الأشموني - لا شك في أنه قد درس من قواعد لغة العرب ما يجعله في مصاف الأئمة الكبار فيها ، ولا سيما أنه كان يتلقى هذه العلوم في الصغر في دراسته الابتدائية والثانوية .
ولذلك فقد وجدت في جيل الأساتذة الأزهريين الذين أدركوا تلك المرحلة الأزهرية من أساتذتي - وجدت فيهم أئمة في اللغة ولم أجد فيهم أساتذة كما يعرفُ الطلابُ اليوم في أساتذة الجامعات .
وهكذا كان يدرس الفقه ، فكان الطالب يدرس أولاً حاشية الباجوري على ابن قاسم في الفقه الشافعي ، ثم يدرس حاشية الشرقاوي على التحرير ، ثم يدرس المنهج وشرحه لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، ثم يدرس المنهاج للإمام النووي بشرح الإمام جلال الدين المحلي الذي يعتبر الذروة في الدقة والإتقان والإحكام في الفقه .
وهذا كله في الدراسة الابتدائية والثانوية ، فإذا ارتقى إلى الدراسة العالية ، بدأ بدراسة الفقه الخلافي والأدلة ومناقشتها .
ولذلك كان يصل الطالب إلى الدراسة العالية بعد الثانوية وهو إمام في المذهب ، لا يقل عن كبار أئمته المبرزين فيه.
ولقد درست الفقه على عدد من الأساتذة الذين كانوا يملون علينا منهاج النووي مع شرح المحلي إملاء عن ظهر قلب وهو يقع في أربعة مجلدات ، مع التمكن التام في كل العلوم على ما ذكرت من النحو والفقه.
فأين نحن وأساتذة اليوم من هذا ....؟
لا أريد التعليق ، لأني لم أسق هذه المقدمة لهذا الغرض ، والنتيجة هي التعليق.
لقد حوربت لغة العرب من قبل أعداء الدين كما حورب الدين ، وهم يدركون تماماً التلازم بين علوم الشرع واللغة .
وما زالت علوم الشرع تتردى ، وتتردى معها علوم اللغة ، إلى أن صار الأمر لدرجة أن الطالب يتخرج لا أقول من الثانوية ، بل من الجامعة ، وهو لا يستطيع أن يقرأ سطراً واحداً من لغة العرب قراءة صحيحة ، لا لحن فيها.