وهذا ليس ظاهرة شاذة ، بل هو الظاهرة العامة التي تكاد تكون مطردة ، في كل طالب ، ولو غلا المرء فقال: إنني لم أجد طالباً يعرف قواعد لغة العرب إلا من رحم ربك - كَتَحِلَّةِ القسم ، لما أخطأ ، لأنه هو الواقع .
بل الأمر أدهى من هذا وأمَر ، فكثير من الطلاب لا يستطيع أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة ، علماً بأنه مشكل في كل حرف من حروفه.
بل صار الأمر في بعض الحالات إلى أن يُخَطأَ المدرسُ ويُلحَنَ في كثير مما ينطق به من الصواب ، لأن الطالب لم يألفه .
بل زاد الأمر على هذا .... فقد تكلمت يوماً ما في الجامعة أمام طلاب الشريعة على جمع القلة والكثرة ، وأن الأصوليين قد اختلفوا في أقل الجمع فيهما ، فاختلفوا فيما ينبني عليهما ، ولما كان الزمن لا يتسع لشرح صيغ جموع القلة والكثرة ، لأنه بحث صرفي أو نحوي محض من المفترض أن يكون قد درس قبل دراسة أصول الفقه ، وتتميماً للفائدة طلبت من الطلاب أن يرجعوا لابن عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك ليقفوا على صيغ جموع القلة والكثرة .
وفي اليوم الثاني جاءني أحد الأئمة المجتهدين من طلابنا ، وقد ذكرت قبل هذا أن بعض طلابنا من الأئمة المجتهدين وإن كان لا علم عنده ، ولم يُجِدِ القراءة بعد ، فالعلم شيء في موازنتهم والإمامة والاجتهاد شيء آخر ، جاءني وهو يتذمر ويتضجر من ابن عقيل ، (ولا أدري إن كان قد اتهم ابن عقيل بالشرك أم لا) ، وقال لي بصوت مرتفع أمام الطلاب يريد إفحامي ، وربما إفحام ابن عقيل ، بل سيبويه ، قال: لقد ذكر ابن عقيل أن (( كلب ، صحيح العين ، يجمع على أكلب ) ).
قلت له: وما يضيرك من هذا الجمع ؟ قال: لم يذكر ابن عقيل كيف يجمع الكلب الأعور ، فما هو جمعه ... ؟
فأفحمني - والله - فما كنت أدري ، ولم أدر بعد علام يجمع الكلب الأعور ، ولو كان سيبويه حياً لأفحمه ، فما يفحم أولئك الأئمة إلا مثل هؤلاء الأئمة .