وعندها فهمت معنى قول الشافعي:"ما جادلت عالماً إلا وغلبته ، ولا جادلت جاهلاً إلا وغلبني".
وأدركت السر الذي به ارتقي به مجتهدو العصر إلى درجة الاجتهاد والإمامة في دين الله .
وكما يسبح الناس حينما يدهشهم اختراع عظيم ، أو تنظيم وتصميم بديع ، أو صورة جمالية بارعة ، سبحت الله على قدرته في خلق العقول المتباينة في العلم والجهل تباين النقيضين ، وغبت عن عالم الحس ، في تفكير عميق ، كيف استطاعت هذه العبقرية الاجتهادية المعاصرة أن تصوغ مثل هذا السؤال ...؟؟!
من احتكر فهو خاطئ وتخطئة الشافعي
إنني ما زلت أتكلم علي إيحاءات الجهل حينما يستبد بالإنسان ، وكيف يصور لصاحبه الأمور حتى يورده موارد الهلاك .
وما مثل الجاهل في تصوره للأمور إلاَّ كمثل الطفل الصغير في تصوره لها والحكم عليها.
إلاَّ أن الصغير يكبر ، ومن ثم يكبر عقله معه باطراد ، وينقلب بالعلم إلى عبقري ومفكر ، وما يزال يترقى في درجات العلم حتى يصير وارثاً للنبوة فالعلماء ورثة الأنبياء.
وأما الجاهل فالعلاقة بين عمره وعقله عكسية ، فكلما كبرت سنه كلما صغر عقله ، وما يزال يتردى في حمأة الجهل بكبر سنه حتى يرد إلى أرذل العمر.
والطفل الصغير حينما يتطلع إلى العلوم يتمنى أن يكون عالماً ، فيسارع إلى العلم وإلى العلماء ، وما يزال يغشى مجالسهم ، ويتلطف بالقرب منهم ، ويزاحمهم بالركب حتى يتحقق مناه ويصير منهم.
إلاَّ أن الجاهل المغرور يرى نفسه فوقهم ، وأنهم يجب عليهم أن يرجعوا إليه ، وليس هو الذي يرجع إليهم ، وما تزال الهوة تتسع بينه وبينهم حتى تغشاه ظلل الشيطان فيستفزه عليهم.