لقد علم بعض من وصفت أنني أتفقه على مذهب الإمام الشافعي ، وأنني أَدْرِسْه وأُدَرِّسْه ، فأراد - فيما زعم وخيل له جهله - أن يفسد على رأيي ، ويظهر ضعف مذهب الشافعي أمام ناظري ، وكان قد سمع في حياته قاعدة من قواعد العلم من أحد العلماء تقول: إن"مَنْ"صيغة من صيغ العموم ، فأراد أن يبرهن لي من خلال هذه القاعدة خطأ الشافعي في جزئية من الجزئيات ، ليبني خطأ مذهب الشافعي كله ، ومن ثم ليطالب الناس بالتنبه لمن يتفقهون عليه ويتعلمون منه ، مما أكبر أن أذكر من سقط القول .
فتربع على عرش جهله ، مترفعاً عمن حوله ، متظاهراً بالعلم والحلم ، يقول إنه يريد النصح... ! وخيل إليه غروره أن أبا حنيفة ، والأوزاعي ، ومالكاً ، والشافعي ، وأحمد والسفيانين ، وأبا ثور ، وثلة من كبار علماء الأمة قد التفوا حوله في حلقته مصغين لما سيلقيه إليهم ، مما أوتيه من الحكمة .
فقال: إن الشافعي يزعم أن الاحتكار لا يكون إلاَّ في الأطعمة ، وأما ما سواها من الأمور فلا
يكون فيه احتكار مستدلا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"من احتكر على المسلمين طعامهم فهو خاطئ".
ثم قال: وهذا الحديث حجة على الشافعي وليس حجة له ، فالاحتكار يكون في كل شيء ، وليس في الأطعمة فقط ، لهذا الحديث نفسه ، فقد فات الشافعي أن لفظة"من"التي صدر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثه تفيد العموم ، فهي تقتضي أن يكون الاحتكار عاما في كل شيء ، لا في الأطعمة فقط ، كما زعمه الشافعي .
ونظر حوله وقد أخذ منه الزهو كل مأخذ بما أحرزه من نصر في ميدان القواعد العلمية التي أتقنها وأفحم الشافعي بها ، وأخذ يتلمظ وقد استشرى جهله كما يتلمظ الجائع بحضرة طعام شهي وقد سال لعابه توهمًا منه أنه قد أكله ، وفي الحقيقة هو ممنوع منه...